أحمد بن علي القلقشندي

21

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وتنقضي الآجال وينقطع الأمل ، ويمتنع العمل ، وتزهق من العبد نفسه ، ويضمّه رمسه ، ويرد على ربه وهو عليه غضبان ، وإنّ سخطه عليه بمخالفة أمره قد بان ، ولا ينفعه حينئذ النّدم ، ولا تقال عثرته إذا زلَّت به القدم ؛ وقد أعذر من أنذر ، وأنصف من حذّر ؛ فإنّ حزب اللَّه هم الغالبون ، والذين كفروا سيغلبون ، وسيعلم الَّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون . ألهمنا اللَّه وإيّاكم رشدنا ، ووفّق إلى مراضيه قصدنا ، وجمعنا وإياكم على الطاعة ، وأعاننا جميعا على السّنّة والجماعة ، بمنّه وكرمه ! . وهذه نسخة مرسوم كتب به عن نائب المملكة الطرابلسيّة إلى نائب حصن الأكراد ( 1 ) ، بإبطال ما أحدث بالحصن : من الخمّارة ، والفواحش ، وإلزام أهل الذّمّة بما أجري عليهم أحكامه من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ( 2 ) رضي اللَّه عنه - في أواخر جمادى الأولى سنة خمس وستين وسبعمائة ؛ وهو : المرسوم بالأمر العاليّ - لا زال قصده الشريف المثابرة على تغيير المنكر ، وشدّ أزر المنكر ، مشمّرا في إراحة القلوب بإزاحة مواطن الفواحش : من سفاح ومخدّر وميسر ومسكر - أن يتقدّم الجناب الكريم باستمرار ما وفّقنا اللَّه تعالى له ورسمنا به ، وأعطيناه دستورا يجده من عمل به يوم حسابه : من إبطال الخمّاره ، وهدم مبانيها بحيث لا يبقى للنّفس الأمّارة عليها أمارة ، وإخفاء معالمها التي توطَّنها الشيطان فقطن ، وإزالة ما بها من الفواحش التي ما ظهر منها أقلّ مما بطن ، وإخلاء تلك البلاد من هذا الفساد الموجب لكثرة المحن والاختلاف وإراقة ما بها من الخمور ، التي هي رأس الإثم والشّرور ، وإحراق كل مخدّر مذموم في الشّرع محذور ، وإذهاب اسم الحانة بالكليّة بحيث لا يتلفّظ به مسلم ولا كافر ، ولا يطمع نفسه في الترتيب عليها من هو على خزيه وبغيه مظافر . وقد غيّرنا هذا المنكر بيد

--> ( 1 ) قلعة مقابل حمص من غربيها ، على الجبل المتصل بجبل لبنان ، نحو مرحلة من حمص . كانت محلّ النيابة ومقرّ العسكر قبل فتح طرابلس . ( صبح الأعشى : 4 / 144 ) . ( 2 ) الأحكام المعروفة بالشروط العمرية على نصارى بلاد الشام .